أزمة سكن تسبق العائدين إلى الجنوب: العرض نادر والإيجارات "خيالية"

  • 09 July 2026
  • 49 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    زينب حمود - الأخبار

    مع بدء عودة الجنوبيين إلى قراهم، للإقامة أو الزيارة أو المشاركة في تشييع شهداء... يصطدمون بأزمة إيواء حادة لم تكن في الحسبان: «المنازل المعروضة للإيجار في القرى الحدودية غير المحتلة شبه معدومة، بينما تتوفر بعض الوحدات السكنية بعيداً عن الشريط المحتل، لكن بأسعار مرتفعة جداً». صحيح أن الظروف المناسبة للعودة المستقرة والآمنة إلى الجنوب لم تتوفر بعد، غير أن السؤال يتجاوز اللحظة الراهنة، إلى استحقاق العودة، و«أين نسكن عندما يحين وقت العودة؟»، وهو ما يزيد هواجس أبناء الجنوب من أن يؤدي هذا الواقع إلى إطالة أمد نزوحهم، وبُعدهم أكثر عن قراهم.

    في بلدة شقرا مثلاً، «لا توجد أي شقة للإيجار»، يؤكد أحد السماسرة لكل من يسأله. ويشرح كيف بدأت أزمة السكن «بعد الحرب الماضية، مع استضافة شقرا لأبناء حولا وميس الجبل وعيترون، ثم تفاقمت اليوم مع وصول نازحين جدد من القرى المحتلة، إلى جانب الطلب المتزايد من أهالي البلدة الذين خسروا منازلهم أو تضررت بشكل كبير، مقابل غياب أي مشاريع سكنية تلبي الطلب المتزايد». إزاء ذلك، يسارع كثيرون إلى حجز منازل في الجنوب، حتى قبل أن يقرروا العودة، كـ«من يشتري سمكاً في البحر»، ما يزيد الضغط على سوق العقارات ويدفع الأسعار إلى «التحليق» أكثر.

    وفي جولة سريعة في مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر فجوة عميقة بين العرض والطلب، إذ تمتلئ الصفحات بمنشورات تطلب «شقة للإيجار في النبطية، كفرجوز، كفرمان، حاروف، الدوير، صيدا وضواحيها»، مع شرط «لا عمولة ولا تسليف»، بعدما شجعت الأزمة أصحاب المنازل على استغلال الأوضاع في رفع البدلات ووضع شروط معقدة. غير أن هذه الطلبات لا تجد صدى لها، على ما يظهر في غياب الإعلانات التي تعرض شققاً للإيجار. وإن وُجدت، فهي لا تتناسب مع قدرة الجنوبيين على الدفع بعد تدهور أوضاعهم المادية جراء الحرب. مثلاً، ارتفع بدل إيجار شقة مؤلفة من أربع غرف، من 250 دولاراً قبل الحرب، إلى ما بين 350 و400 دولار، فيما تجاوزت أسعار إيجار شقق أخرى 600 دولار، رغم أنها غير مفروشة.

    وتبدو الأزمة أكثر استفحالاً في مدينة صور والقرى المحيطة بها، مثل الحوش، العباسية، البرج الشمالي، طيردبا، طورا ومعركة، حيث يتزايد الضغط السكاني مع انتقال أعداد كبيرة من العائلات إليها. ورغم كثرة المشاريع السكنية والأبنية هناك، لا يزال العرض دون الطلب، ما أدى إلى ارتفاع «جنوني» في الأسعار، وصل إلى حدِّ عرض شقة سكنية للإيجار مقابل 1200 دولار.

    إزاء ذلك، تدخلت بعض البلديات، وأصدرت بيانات دعت فيها أصحاب المنازل إلى «مراعاة الناس وعدم استغلال حاجتهم للوحدات السكنية، ووضع الإيجارات ضمن الأسعار المنطقية والمعقولة». وذهبت بلدية الكفور – تول في النبطية أبعد من ذلك. فأصدرت بياناً تحذيرياً حددت فيه سقوف بدلات الإيجار بحسب عدد الغرف، على الشكل الآتي: بين 200 و350 دولاراً للشقة غير المفروشة، فيما يبدأ إيجار الشقة المفروشة من 350 دولاراً ولا يتجاوز 500 دولار. كما حذرت من يخالف بـ«بملاحقته قانونياً». ومنعت «أعمال السمسرة العقارية في الإيجارات، إلا لمن يبرز رخصة قانونية».

    وأيضاً، عمّمت البلديات على الأهالي أن «الأولوية لأولاد البلدة ممن تهدمت بيوتهم أو تضررت بشكل يمنعهم من السكن فيها». وهو ما أثار مخاوف النازحين من قرى الحافة الأمامية، المبعدين قسراً عن قراهم منذ ثلاث سنوات، ويتنقلون بين البلدات الجنوبية المجاورة، ولا يملكون ترف العودة إلى قراهم المحتلة في المدى المنظور، مع انعدام فرص أن يجدوا منازلهم قائمة بعد جرائم المسح العمراني التي يرتكبها العدو الإسرائيلي. بذلك، بات هؤلاء الحلقة الأضعف في «العاصفة السكنية»، انطلاقاً من «تفضيل أصحاب الشقق أقاربهم وأبناء قراهم على عائلات من قرى مجاورة»، يقول حسين صالح من بلدة راميا، الذي نزح إلى كفرا.

    لكن رئيس بلدية شقرا، إسماعيل الزين، يطمئن إلى أنه «لا نفرق بين أبناء البلدة والنازحين من القرى المجاورة، الذين بدأوا فعلاً يعودون إلى شقرا». إذاً، من هي الجهة المستثناة؟ يجيب: «اللاجئون السوريون».

    مع ذلك، هل يكفي ضبط الأسعار وتفضيل الجنوبيين على الأجانب لحل الأزمة؟ رئيس بلدية الدوير، محمد رمال، يؤكد «وجود أزمة حقيقية، بعدما تركّز الدمار في المجمعات السكنية، ولا سيما في حارة البركة والحارة الأساسية». ويتوقع رمال أن يرتفع الطلب على استئجار الشقق، مع الزيادة المتوقعة في عدد العائلات الوافدة من القرى المجاورة (90 عائلة قبل الحرب)، ولا سيما حاروف وعبا وجبشيت.

    وبعدما بلغت المنازل المتضررة في شقرا 640 وحدة سكنية، 240 وحدة منها خلال هذه الحرب، تضاف إلى 400 وحدة دمرت في الحرب الماضية، وفي ظل غياب أي خطة سكنية، يرسم الزين حلولاً سريعة تتناسب مع قدرة البلدية على تنفيذها. ومنها «الاستفادة من شقق المغتربين المهجورة، سواء عبر استئجارها أو تقديمها. إضافةً إلى تجهيز مبنى كنا قد قررنا تحويله إلى مأوى للعجزة، لإيواء العائدين الذين لا يجدون مسكناً، إلى جانب منزل كبير آخر، غير مشغول، يتسع لنحو 15 عائلة». وليست هذه الحلول جذرية، و«عندما يستنفد المرء كل الخيارات داخل بلدته، سيلجأ إلى القرى المجاورة»، يقول الزين، متوقعاً «لجوء أهالي شقرا والنازحين السابقين فيها إلى السلطانية وصفد البطيخ، حيث توجد مشاريع سكنية جاهزة».

    كذلك، يجمع رؤساء البلديات على أن «البيوت الجاهزة حل مناسب». وقد بدأوا فعلاً بتسجيل الطلبات بالأعداد المطلوبة وإرسالها إلى اتحاد البلديات، ومنها إلى محافظ الجنوب، رغم معرفتهم المسبقة بأن الاستجابة «ليست قريبة»، و«الأولوية ستكون لقرى الشريط الحدودي».